أحمد بن علي القلقشندي
80
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ولما كان الزمن مقسوما بين سنين شمسية يتّفق فيها ما أخرج اللَّه تعالى من الرّزق لعباده ، ويحصل بها ميقات القوت الذي قال اللَّه تعالى فيه : * ( كُلُوا مِنْ ثَمَرِه إِذا أَثْمَرَ وآتُوا حَقَّه يَوْمَ حَصادِه ) * ( 1 ) وقمريّة لا يعوّل في أحكام الدّين إلا عليها ، ولا يرجع في تواريخ الإسلام إلَّا إليها ، ولا تعتبر العبادة الزمانيّة إلا بأهلَّتها ، ولا يهتدى إلى يوم الحجّ الأكبر إلا بأدلَّتها ، ولا يعتدّ في العدد التي تحفظ بها الأنساب إلا بأحكامها ، ولا تعلم الأشهر الحرم إلا بوجودها في الأوقات المخصوصة من عامها ، وكان قد حصل بينهما من تفاوت الأيام في المدد ، واختلاف الشّهور الهلالية في العدد ، ما يلزم منه تداخل مغلّ في مغل ، ونسبة شيء راح وانقضى إلى ما أدرك الآن وحصل ، ويؤدّي ذلك إلى إبقاء سنة بغير خراج ، وهدر ما يجب تركه فليس الوقت إليه محتاج ، وإلغاء ما يتعيّن إلغاؤه ، وإسقاط ما تلتفت إليه الأذهان وهو لا يمكن رجاؤه ، وإن كان ذلك الإسقاط لا ضرر فيه على العباد والبلاد ، ولا نقص ينتج منه للأمراء والأجناد ، ولا حقيقة له ولا معنى ، ولا إهمال شيء أفقر تركه ولا إبقاؤه أغنى ، ولكن صار ذلك من عوائد الزّمن القديمة ، ومصطلحا لا تزال العقول بالاحتياج إلى فعله عليمة ، وأمرا لا بدّ للملك منه ، وحالا لا مندوحة للدّول عنه ، لتغدو التصرّفات على الاستقامة ماشية ، والمعاملات من الحق ناشية ، ويعفى رسم ما لم يكن في الحقيقة رابط ، ويزال اسم ما لو توسّمه الفضل لأضحى كأنه يغالط - اقتضى حسن الرأي الشريف أن تحوّل هذه السنة التي يحصل بها الكبس ، وأن يدحضها يقين النفس ، وأن يرفع ما بها من أشكال الإشكال ، ويزال هذا السبب الذي نشأ عنه دخول الأكثر باستدراج الأقلّ فلا يكون للأذهان عليه اتّكال - نظرا بذلك في مصالح الأمّة ، ودفعا لما يجدونه من أوهام مدلهمّة ، وعملا يطابق به الدليل حكمه ، ويوافق فيه اللفظ معناه والفعل اسمه ، وتخفيفا عن الرعية من لزوم ما لا يلزم في الحقيقة عملا بقوله تعالى : * ( ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ ورَحْمَةٌ ) * ( 2 )
--> ( 1 ) الأنعام / 141 . ( 2 ) البقرة / 178 .